رغم حداثة تأسيسه (فبراير 2024)، سرعان ما رسّخ مركز الشارقة الأولمبي لرياضة المرأة، التابع لمؤسسة الشارقة لرياضة المرأة، مكانته كمقصد رياضي بارز للنخبة. فقد جمع بين منشآت تدريبية بمعايير عالية وبرامج نوعية تسهم في إعداد البطلات، ومع استضافات دورية لأبطال أولمبيين وعالميين ومعسكرات دولية على مدار العام، أصبح المركز بوابة رئيسية لتطوير الرياضيات الإماراتيات وإكسابهن خبرات تنافسية ترفع جاهزيتهن للبطولات الكبرى.
وحول الرؤية التي يقف عليها المركز، أكدت سعادة حنان المحمود، نائب رئيس مؤسسة الشارقة لرياضة المرأة:
“المركز جاء ليكون مساحة تُمكّن المرأة من ممارسة الرياضة على أعلى مستوى، انسجامًا مع رؤية سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي التي تؤمن بأهمية الاستثمار في المشاريع النوعية ذات الأثر الاستراتيجي طويل المدى. كما أن موقعه الحيوي بالقرب من المدارس والأحياء السكنية يعزز من فرص استقطاب اللاعبات الناشئات، ويوفر لهن بيئة تدريبية مثالية تتيح الموازنة بين التحصيل الدراسي والتطور الرياضي. نحن نؤمن بأن تطوير البنية التحتية والبرامج التدريبية المتقدمة هو الطريق لتخريج جيل قادر على المنافسة عالميًا.”
هذه الاستضافات لم تقتصر على تطوير الجانب الفني فحسب، بل حملت قيمة مضافة للاعبات على المستويين الذهني والنفسي. فقد شكّلت المعايشة المباشرة مع أبطال عالميين فرصة فريدة للتعرّف على تفاصيل روتينهم اليومي، من انضباط وتحضير بدني وذهني، وصولًا إلى عاداتهم في النوم، الغذاء، والاستشفاء. وهكذا، فتحت أمام اللاعبات آفاقًا جديدة لإعادة النظر في أسلوب حياتهن الرياضي، ومكّنتهن من تبادل التجارب والتحديات مع من سبقوهن في التجربة.
وفي هذا السياق، أوضحت سعادة موزة الشامسي، مدير مؤسسة الشارقة لرياضة المرأة:”إن الأهداف الحقيقية من استضافة هذه المعسكرات لا تكمن فقط في تطوير المهارة أو رفع مستوى اللياقة، بل في غرس عقلية الاحتراف. نحن نريد للاعبات أن يدركن أن الرياضة أسلوب حياة متكامل، وأن يتعلمن كيف يتعاملن مع الفوز والخسارة بذات القوة والإيجابية. هذه التجارب تزرع فيهن الثقة وتمنحهن أدوات نفسية وسلوكية ستبقى معهن طوال مسيرتهن الرياضية.”اللاعبات المشاركات أكدن أن هذه التجربة غيّرت نظرتهن للتدريب والمنافسة، إذ منحت كل واحدة منهن خطة شخصية أوضح، وزوّدتهن بأدوات ذهنية تساعد على إدارة الضغوط وبناء الثقة بالنفس، إلى جانب إدراك أن النجاح الرياضي يقوم على منظومة متكاملة لا تقتصر على الأداء الفني وحده.
الجودو… خبرة أولمبية فرنسية ومحطات إلهام
من أبرز الفعاليات التدريبية، استضافة المركز وفد الاتحاد الفرنسي للجودو بقيادة البطل الأولمبي العربي بن بوداود (ذهبية سيدني 2000)، والبطلة الأولمبية إيمان جيفري (ذهبية لندن 2012)، ومديرة العلاقات الدولية أليفتينا زياكاس. وقد تخلل برنامج الاستضافة استعراضات مشتركة جمعت لاعبات أندية المؤسسة ومراكز الحاضنات الرياضية، إضافة إلى جلسة حوارية مع المدربات لرسم أسس تدريبية تسرّع من التطور الفني للفئات الصغيرة. زياكاس عبّرت عن إعجابها بالمركز مؤكدة أن منشآته المتطورة ستدعم بقوة تطور الرياضات الفردية للمرأة في الشارقة، وأضافت: “نتطلع إلى تعاون تام مع المؤسسة لبناء قاعدة من اللاعبات المميزات القادرات على تمثيل الدولة أولمبياً في المستقبل.”
كما استضاف المركز البطلة الأوكرانية داريا بيلوديد، صاحبة برونزية أولمبياد طوكيو 2020 وبطلة العالم مرتين، حيث قدّمت ثلاثة أيام من التدريبات المكثفة للبراعم والناشئات، وأشادت بالمنشآت قائلة: “هذه البيئة المميزة سيكون لها أثر إيجابي على مستوى كافة الألعاب الفردية بالنادي.”
ألعاب القوى… ذهبية أولمبية تلهم العداءات الصاعدات
في ألعاب القوى، استضاف المركز البطلة البحرينية وينفريد يافي، الحائزة على ذهبية أولمبياد باريس 2024 وبطلة آسيا مرتين في سباق الحواجز، حيث شاركت اللاعبات تدريبات تقنية على الانطلاقة وتجاوز الحواجز، وقدّمت نصائح عملية حول الاستعداد البدني والذهني للبطولات الكبرى، لتترك أثرًا تحفيزيًا بارزًا لدى عداءات أندية المؤسسة.
القوس والسهم… معسكر نخبة يعزز الجاهزية
من 15 نوفمبر إلى 1 ديسمبر 2024، نظم المركز معسكر النخبة بمشاركة أكثر من 40 رياضية من ثماني دول، تضمن تدريبات فنية متقدمة، منافسات ودية، وجلسات إعداد نفسي. اللاعبة الأولمبية الإستونية رينا بارنت وصفت التجربة بأنها “مميزة”، مشيدة بالمرافق التي اعتبرتها من الأفضل عالميًا. من جانبها، أكدت حصة العوضي، لاعبة القوس والسهم بنادي الشارقة الرياضي للمرأة، أن هذه التجربة كانت بمثابة محطة نوعية في مسيرتها، قائلة: “المعسكر أتاح لنا فرصة فريدة للتدرّب مع لاعبات دوليات يمتلكن خبرات واسعة، وهو ما ساعدني على تطوير أدائي الفني واكتساب طرق جديدة للتحضير الذهني والبدني. كما علّمني كيف أتعامل مع الضغط وأحافظ على تركيزي في اللحظات الحاسمة. مثل هذه التجارب تمنحنا الثقة بأننا قادرات على بلوغ منصات التتويج ورفع علم الإمارات في المحافل العالمية.”
برامج متكاملة لبناء عقلية الاحتراف
تتميّز معسكرات المركز الأولمبي بكونها مصممة وفق رؤية حديثة تجعل منها أكثر من مجرد حصص تدريبية. فهي تجمع تحت سقف واحد خبرات مدارس دولية متنوعة، وتوفّر للاعبات تجربة متكاملة تبدأ من الجوانب الفنية وتمتد إلى نظم التغذية والاستشفاء والتخطيط الفردي لمسار كل لاعبة. وحول هذا الجانب، أوضحت اليازية السويدي، رئيس شعبة الإعداد والمتابعة الفنية في المؤسسة:”المركز الأولمبي يقدّم بيئة تدريبية فريدة، حيث نحرص على أن يُنتج كل معسكر مخرجات عملية واضحة، سواء عبر خطط متابعة شخصية للاعبات أو من خلال معايشتهن لمدارس تدريبية عالمية متعددة. هذه التجربة تمنح اللاعبات قيمة مضافة لا يمكن أن توفرها أي معسكرات أخرى.”
كرة الطاولة… مدارس تدريبية متنوعة تحت سقف واحد
شهد المركز معسكرين دوليين؛ الأول مع منتخب أرمينيا للفئات السنية، والثاني مع فريق UMMC الروسي البارز في كرة الطاولة. تنوّعت الأنشطة بين تدريبات صباحية ومسائية، منافسات تجريبية، وتمارين تكتيكية صُممت لتعريف اللاعبات على أساليب لعب متعددة.
التايكواندو… من الإلهام الفردي إلى الإعداد الجماعي
كما شاركت أكثر من 60 لاعبة تايكواندو في جلسة تدريبية تفاعلية بقيادة البطل الأولمبي الإسباني خيسوس تورتوزا، استعرض خلالها تقنيات متقدمة، إلى جانب نصائح حول الإعداد الذهني والبدني.
كما احتضن المركز معسكرًا دوليًا بمشاركة منتخبات من روسيا، أوزبكستان، كازاخستان، ومصر، استعدادًا لبطولتي كأس العرب والفجيرة الدولية. وقد وصفه المدير الفني عبدالله حاتم بأنه “خطوة استراتيجية نحو تطوير الأداء الفني وتحقيق الجاهزية للمنافسات الكبرى.”
المبارزة… استراتيجيات عالمية على أرض الشارقة
في أغسطس 2025، أقيم معسكر دولي للمبارزة (سلاح الإيبيه) بمشاركة البطل الأولمبي محمد السيد وبطل العالم تحت 20 عامًا محمود السيد، تضمن تدريبات فنية ومباريات تجريبية وجلسات تحليل للأداء. الدكتور سامي السيد، المستشار العلمي لتطوير الأداء بالمؤسسة، أشاد بانضباط اللاعبات، فيما أكّد محمد ومحمود السيد على أهمية التركيز الذهني واستثمار كل تجربة تنافسية كفرصة للتطور.
كما شهد المعسكر مشاركة ثماني لاعبات من فريق سلاح الإيبيه المصري، ما أتاح للاعبات النادي فرصة احتكاك مباشر مع مدرسة قوية وعريقة في المبارزة، وزاد من قيمة التجربة التدريبية على الصعيد الفني والتكتيكي. ومن جانبها، عبّرت لاعبة نادي الشارقة الرياضي للمرأة فجر المرزوقي عن امتنانها لتجربتها في هذا المعسكر، قائلة: “هذا المعسكر كان تجربة فارقة بالنسبة لي، لأنه جمع بين التدريب الفني المكثّف والتهيئة الذهنية والاحتكاك المباشر مع أبطال عالميين. تعلمت كيف أتعامل مع ضغوط المباريات بثقة أكبر، وكيف أقرأ الخصم وأعدّل أسلوبي أثناء النزال. الأهم من ذلك، أنه منحني دافعًا قويًا للاستمرار في تطوير نفسي.”
المركز… منصة حديثة ووجهة دولية
وراء نجاح هذه الفعاليات يبرز الدور المحوري للمركز في تهيئة بيئة متكاملة تدعم تطوير اللاعبات وتلبي مختلف متطلبات المعسكرات وحول هذا الجانب، أكدت هند الحوسني، مدير مركز الشارقة الأولمبي لرياضة المرأة:”نحرص في المركز على أن نكون في أتم الجاهزية دائمًا، سواء من ناحية البنية التحتية أو المستلزمات الرياضية، وهو ما جعلنا نحظى بإشادات متكررة من الوفود الدولية. هذه الثقة تكرّس مكانة الشارقة كمحطة رياضية موثوقة، وتدفعنا للاستمرار في رفع سقف تطلعاتنا.”
ومن جانبها، أوضحت ندوة الصوّان، التنفيذي في شعبة المتابعة الفنية للمعدات والمعسكرات، أن جاهزية المركز لا تقتصر على البنية التحتية، بل تمتد لتشمل تجهيزات رياضية معتمدة دوليًا تُستخدم في تدريب اللاعبات ورفع مستواهن الفني. وأضافت: “نحرص على أن تكون المعدات في المركز مطابقة لأعلى المعايير العالمية، بما يتيح للاعبات خوض تدريبات تحاكي أجواء البطولات الرسمية. كما قمت بإعداد كراسات خاصة بكل رياضة من رياضات المؤسسة، يضم كل منها المعدات والأدوات الخاصة بكل رياضة من رياضات أندية المؤسسة، وهو ما يوفر للبطلات بيئة متكاملة تعكس أعلى مستويات الاحتراف.”وبذلك، أثبت المركز الأولمبي لرياضة المرأة في الشارقة قدرته على أن يكون منصة حديثة تجمع النخبة الرياضية تحت سقف واحد، مسرّعًا من تطور اللاعبات الإماراتيات ومعززًا لفرصهن في المنافسة على أعلى المستويات.






